تتناول هدى فايق في مقالها الساخر ظاهرة انتشار مجموعة «شكاوى قاع الهامور» على موقع فيسبوك، بعدما تحولت خلال أيام قليلة إلى مساحة ضخمة للسخرية من الواقع المصري والتعبير عن الأزمات اليومية. وتستعرض الكاتبة كيف وجد مئات الآلاف من المصريين في عالم «قاع الهامور» الخيالي، موطن سبونج بوب سكوير بانتس، وسيلة للهروب المؤقت من واقع يزداد قسوة، وتحويل الشكوى اليومية إلى نوع من الكوميديا الجماعية.


وفي مقال نشرته المنصة، ترصد هدى فايق دورة حياة الترندات على مواقع التواصل الاجتماعي، التي تبدأ عادة في الظل ثم تنتشر بسرعة حتى تهيمن على النقاش العام قبل أن تتراجع، أحيانًا بسبب ظهور موجة جديدة، وأحيانًا أخرى بعدما تتدخل وزارة الداخلية.


وهذا تحديدًا ما جرى مع «قاع الهامور»، الذي هيمن على فيسبوك المصري خلال اليومين السابقين للنشر. وانضم مئات الآلاف إلى المجموعة التي حملت اسم «شكاوى قاع الهامور»، وهو الاسم العربي المستخدم في دبلجة «بيكيني بوتوم»، المدينة الخيالية التي يعيش فيها سبونج بوب وأصدقاؤه، بينما شارك في إدارتها أحد المسؤولين المنتمين إلى جيل ألفا.


وانتشرت آلاف الميمات داخل المجموعة، بعضها ساخر، وبعضها الآخر يبحث ببساطة عن السر وراء الانتشار الهائل للمجموعة. ووصلت أصداء الظاهرة إلى «الجهات المعنية»، التي قالت تقارير إعلامية إنها بدأت في فحص الأمر، قبل أن يعلن مسؤول المجموعة تعليق نشاطها لمدة شهرين.


وتراكمت النظريات التي حاولت تفسير سرعة انتشار مجموعة ساخرة تحمل اسم المدينة الخيالية في «سبونج بوب»، المسلسل الكرتوني الذي شكّل جزءًا من طفولة أجيال كاملة منذ عرض موسمه الأول عام 1999.


ورأى البعض أن الحجم الهائل لهذا النوع من التقمص الجماعي العبثي يثير الشك في حد ذاته. ومع سرعة تحرك «الجهات المعنية» المجهولة، وجدت نظريات المؤامرة أرضًا خصبة، وظهرت اتهامات لأعضاء المجموعة بالإرهاب أو الانتماء إلى جماعة الإخوان المسلمين.


لكن هل يدعم السياق الأوسع هذه المخاوف فعلًا؟


«قاع الهامور».. الهروب الساخر من واقع بائس


يظهر سياق ما نشره أعضاء المجموعة أن معظم المشاركات جاءت كمحاولة للهروب من واقع يشعر كثيرون بأنه يعيش أزمة مستمرة، وهي الأزمة نفسها التي تظهر يوميًا على صفحات فيسبوك.


وتراكمت خلال الأسبوعين السابقين قضايا العنف والقتل، واختلط الرأي بالحقيقة، وارتفعت أصوات تدافع عن قتل النساء خارج إطار القانون تحت ذرائع مثل «الشرف» أو «راحة الضمير»، بالتزامن مع سلسلة من حوادث الطرق التي أودت بحياة عشرات العمالة اليومية.


ووجد الجميع تقريبًا منفذًا في «قاع الهامور».


وغالبًا ما تظهر السخرية في مصر عندما يشعر الناس بأنهم عاجزون عن تغيير ما يحيط بهم. وعندما يعجز الإنسان عن تغيير الأحداث، فإنه يغير الطريقة التي ينظر بها إليها؛ وهو ما يسميه علماء النفس «إعادة التقييم المعرفي». ويؤدي الفكاهة الوظيفة نفسها، إذ تعيد تأطير الواقع المؤلم بطريقة تجعله أقل تهديدًا ولو قليلًا.


وما فعله أعضاء المجموعة في جوهره هو الغوص إلى قاع البحر لإعادة تمثيل حياتهم الخاصة في قالب كوميدي، كوسيلة لجعلها أكثر احتمالًا. ولم تختفِ المشكلة، لكنها تحولت إلى شيء يستطيع الإنسان النظر إليه من مسافة آمنة والضحك عليه.


ويجيد المصريون هذا النوع من التعامل مع الأزمات. فتظهر الكوميديا والنكات تحديدًا عندما تزداد الظروف صعوبة. وامتلأت مواقع التواصل الاجتماعي على مدار سنوات بالميمات التي تفرغ الغضب تجاه الدولة خلال أكثر الفترات صعوبة، من إغلاق كورونا عام 2020، إلى انقطاعات الكهرباء عام 2023، وصولًا إلى موجات ارتفاع الأسعار المتعاقبة.


مدينة خيالية في قاع كارثة حقيقية


اختار هذا الجيل، بوعي أو من دونه، مدينة خيالية تقع في قاع المحيط الهادئ، أسفل جزيرة بيكيني الحقيقية في جزر مارشال، حيث أجرت الولايات المتحدة 67 تجربة نووية بين عامي 1946 و1958.


وعند التمعن في هذا الاختيار، يصل المرء إلى قاع كارثة حقيقية. وتتراكم الرمزية سريعًا؛ فالقاع هو المكان الذي انتهى إليه الجميع اجتماعيًا واقتصاديًا ونفسيًا. كما أن المدينة معزولة عن العالم، مدفونة في أعماق المحيط، ويحمل هذا العزل شكلًا من أشكال التحدي الهادئ.


ويربط اسم المكان كذلك بكارثة حقيقية، بما يوحي بمحاولة للبقاء بعد وقوع الكارثة، وهي محاولة تبدو عبثية تمامًا إذا أمعن المرء التفكير فيها.


وفي «قاع الهامور»، كما في الواقع، لا يُسمح للمواطن إلا بالشكوى من المشكلة، ولا يُسمح له بالسؤال عن سبب وجودها.


ولا يخضع عالم المدينة لأي منطق. فتندلع الحرائق وسط المحيط، وتبدأ شكاوى السكان، بصورة حتمية، من غلاء المعيشة. ولا يلتزم سكانها بقواعد المدينة الخيالية، ولا ينساقون بالكامل وراء عالمها الوهمي، بل ينسخون مشكلاتهم الحقيقية ويلقون بها داخل عالم كرتوني.


وتراكمت الشكاوى سريعًا داخل مجموعة استقطبت 1.8 مليون شخص خلال عشرة أيام من إطلاقها. وتحول الأعضاء عمليًا إلى مواطنين في مدينة خيالية تعاني، مثل القاهرة، انقطاعات الكهرباء وارتفاع الأسعار.


وظهرت داخل المدينة المتخيلة المشكلات نفسها التي يناقشها المصريون يوميًا على حساباتهم الحقيقية؛ من الزواج والطلاق إلى الحب المكسور والعلاقات العاطفية.


من «ثقافة الشكوى» إلى السخرية من المراقبة


تحولت مواقع التواصل الاجتماعي خلال السنوات الأخيرة إلى قناة مفتوحة لمختلف أشكال الشكاوى، من النزاعات العائلية والقضايا الجنائية إلى الاحتكاكات اليومية بين المواطنين والدولة.


وسدت هذه المنصات جزءًا من الفراغ الذي خلفه توقف الصحف والمواقع المصرية عن تخصيص صفحات للشكاوى. وفي أكثر من مناسبة، ساعدت هذه الشكاوى فعلًا في حل مشكلات واقعية.


وشجعت الحكومة المصرية، من جانبها، المواطنين على تقديم الشكاوى الفردية، وأنشأت منظومة للشكاوى الحكومية الموحدة تتعامل مع نحو 229 ألف شكوى شهريًا.


وتبدو المنظومة وكأنها بديل آمن منزوع السياسة عن المعارضة. ويظل الباب مفتوحًا أمام من يريد الشكوى من ارتفاع الأسعار، لكنه يغلق بإحكام أمام من يريد السؤال عن المسؤول عن القرارات التي دفعت الأسعار إلى الارتفاع.


وتحوّل الشكوى ما كان يمكن أن يصبح فعلًا سياسيًا إلى طلب إداري يمكن التعامل معه بسهولة. فقواعد «الجمهورية الجديدة» بشأن المعارضة المقبولة تبدو بسيطة: ينبغي أن تسهم في تحسين حياة الناس، وينبغي أن يمتلك صاحبها معرفة حقيقية بما يتحدث عنه.


وأصبحت الشكوى، إذن، كلمة السر التي جذبت مئات الآلاف إلى مجموعة فيسبوك. ولم يكن معظم المشاركين يبحثون فعلًا عن حل. وإنما كانوا يبحثون عن الرفقة؛ عن دليل على وجودهم، وعن شعور بأنهم ليسوا وحدهم عالقين في مشكلات لا يستطيع أحد حلها.


وتعكس الظاهرة كذلك حالة أقرب إلى اليأس، إذ يتبادل أشخاص يعرفون مسبقًا أن أحدًا لا يصغي إليهم شكاواهم. ويشعرون بأنهم ينتمون إلى عالم خيالي لا يستطيع الآخرون رؤيته أو سماعه، مدفون في قاع المحيط، حيث لا تملك السلطة الحقيقية إلا صاحب المطعم، أي الرأسمالية في أكثر صورها جشعًا وتجردًا، والتي لا يعنيها سوى المال.


وهكذا وجد الجميع أنفسهم في القاع، ولا يبدو أن أحدًا قادر على الخروج منه. لذلك، قد يكون الخيار الوحيد هو الاستمتاع بالبقاء هناك، بالطريقة نفسها التي يفعل بها سبونج بوب.


ويبدو سبونج بوب، في صورته الحالية، مصريًا بصورة متزايدة؛ إسفنجة صُممت لامتصاص صدمة تلو الأخرى، بينما يواصل كل شيء من حولها التدهور اقتصاديًا واجتماعيًا.


تحت أنظار وزارة الداخلية


وعندما وضعت السلطات المجموعة قيد المراجعة، شعر مسؤولها الإداري بضرورة الظهور والتأكيد أن الفكرة برمتها تقوم على السخرية غير السياسية، موضحًا أن القائمين عليها طلبوا مرارًا من الأعضاء تجنب أي منشورات تشير إلى الرئيس أو مؤسسات الدولة.


وأنشأ أحد أعضاء المجموعة، حفاظًا على روح المزحة، صفحة حملت اسم «وزارة داخلية قاع الهامور»، كي يشير إليها الأعضاء كلما احتاجت «جريمة» ما إلى تدخل الشرطة.


وقدمت الصفحة محاكاة دقيقة نسبيًا للواقع، حيث توسع حضور وزارة الداخلية المصرية على مواقع التواصل الاجتماعي إلى درجة جعلتها تتفاعل مع أي ظاهرة تقريبًا خلال ساعات من انتشارها. وتعلن الوزارة عادة القبض على الأشخاص المعنيين، وتنشر صورهم مع طمس وجوههم، وتقدم روايتها الخاصة للأحداث، إلى جانب التأكيد المعتاد أن المتهمين وقعوا في قبضة الأمن.


ومع مرور الوقت، لم يعد الإشارة إلى وزارة الداخلية مجرد مزحة عن الجرائم، بل تحولت إلى سخرية أكثر هدوءًا من المراقبة والترهيب.


وأفاد موقع «القاهرة 24» بأن الصفحة أغلقت، قبل أن تظهر لاحقًا صفحة أخرى تحمل الاسم نفسه، وإن لم تحقق الانتشار ذاته.


وحاول منظمو المجموعة كذلك التصدي للاتهامات التي تربطهم بجماعة الإخوان المسلمين أو بأي منظمة أخرى. وتظل هذه التهمة جاهزة في مواجهة من يقع تحت نظر الأجهزة الأمنية، مدفوعة بالخوف الذي حملته الدولة معها منذ يناير 2011.


وفي ظل هذا الخوف، من غير المرجح أن تكتفي الدولة بمراقبة تجمع جماهيري يتشكل في قاع البحر، ثم تنتظر مفاجأة انفجار يصعد إلى السطح؛ انفجار قد يحتاج، هذه المرة، إلى تجربة نووية جديدة لإخماده.


لكن ما لا تدركه الدولة القلقة، رغم يقظتها ومراقبتها المستمرة، هو أنها تواجه شعبًا تعلم التكيف مع ظروفه ورسم ابتسامة على وجهه الإسفنجي، تمامًا مثل سبونج بوب.


ولا يكمن همه الحقيقي إلا في جعل الحياة في القاع أكثر احتمالًا، وفي الأمل بأن يشعر صاحب المطعم ببعض الشفقة، بما يكفي ليمر اليوم بسلام.


لأن المواطن في «قاع الهامور»، كما في الواقع، لا يُسمح له سوى بالشكوى من المشكلة، ولا يُسمح له بالسؤال عن سبب وجودها.

 

https://almanassa.com/en/stories/33617